المواطنة الإلكترونية!

 

عبدالحسين شعبان

 

في إطار الحديث عن المواطنة الكاملة والمواطنة العضوية والمواطنة الفاعلة، والمواطنة الحيوية علّق محسن مرزوق -المدير التنفيذي لمركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية- قائلا: «أليس جديراً بنا أن نتحدث عن المواطنة الإلكترونية»؟ ولم يكن ذلك بمعزل عن نقاشات محتدمة حول مفهوم المواطنة ومكوناتها لاسيما في العالم العربي.

وكان مركز الكواكبي والمعهد العربي لحقوق الإنسان قد نظّما ندوة مهمة في تونس (25-27 يوليو 2008) حول حركة المواطنة، ودار نقاش حيوي بخصوص أهمية كيانية مؤسسية لحركة المواطنة تطلق حملة فكرية وثقافية تستهدف تعزيز الوعي بحقوق المواطنة ومخاطبة الحكومات والأحزاب السياسية والتيارات الدينية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، إلى تأمين الاحترام الكامل لحقوق المواطنة في ظل علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة قوامها نظام ديمقراطي وقوانين ومؤسسات حامية وقضاء مستقل وعادل ومجتمع مدني ناشط.

ولعل السؤال يتردد: وهل لدينا مواطنة لنتحدث عن مرحلة أشمل للمواطنة؟ قد تكون فكرة المواطنة في بدايات تشكلّها لدينا، مما يستوجب تعميق الوعي بأهميتها ودلالاتها، وبالتالي بحث مكوناتها ومقوّماتها وأركانها، لاسيما أن فكرة الدولة الحديثة ما تزال جديدة علينا أيضاً، اللهم إلاّ إذا اعتبرنا أنفسنا قد تخطّينا مرحلة ما قبل الدولة، لندخل في مرحلة تكوّن الدولة بقوانينها ومؤسساتها خصوصاً عند تحديد الحقوق والواجبات، تلك التي ما تزال أمام أسئلة شائكة كبيرة حتى الآن.

والسؤال ما زال كبيراً. فحتى النخب الفكرية والسياسية ما تزال تفصلها عن فكرة المواطنة مسافات شاسعة، مقابل الفئوية والمحازبة والطائفية والمذهبية والعشائرية والجهوية، الأمر الذي يحتاج إلى حوارات شاملة عن الآخر والتعايش معه على أساس المشترك الإنساني. ويتطلب ذلك نوعاً من الشرعية التي يحددها إطار قانوني، يمكن من خلاله التنافس المشروع على أساس سلمي وتراكمي وبشكل علني، لاسيما بعد الإقرار بالتعددية والتنوّع في إطار هوية جامعة واحترام الهويات المصغرة الدينية أو القومية أو الثقافية للجماعات المختلفة.
إن أركان ومقوّمات المواطنة تفترض وجود دولة قبل كل شيء، ثم وجود مواطن، ووجود وطن نشعر بالانتماء إليه، وأن يكون هناك نوع من العقد الاجتماعي والسياسي بين الدولة والمواطن، أي أن العلاقة بينهما تعاقدية في إطار نظام ديمقراطي أو يسير حثيثاً باتجاه الديمقراطية، وإلاّ ستكون الحقوق ناقصة.
تقوم المواطنة على عدد من المبادئ منها: مبدأ المساواة والحرية والحق في المشاركة والعدالة الاجتماعية.
أما الانتقاص منها أو إهمالها أو إقصاء جوانب منها فإن الفرد المنتظم في جماعة، المواطن، الإنسان سيشعر بالغبن والحيف وقد يضعف لديه الشعور الوطني، وقد «يكفر» بالوطن أحياناً لاسيما إذا تعرّض للاضطهاد والقمع، فكيف تستقيم المواطنة مع الفقر أو الأمية أو التخلف أو التمييز أو القهر السياسي أو الاجتماعي أو القومي أو الديني أو منع المواطن من المشاركة ومصادرة الرأي أو الظلم وعدم التوزيع العادل للثروة وانعدام تكافؤ الفرص والتمييز وعدم المساواة، ناهيكم عن حرمان المواطن من حقه في المشاركة في إدارة الشأن العام.

إن غياب المواطنة والانتقاص من حقوق المواطن أو الاعتداء عليها جعلت الكثير من المواطنين ينكفئون أو يعيشون في عزلة، وأحياناً يعبّرون عن تبرمهم واحتجاجهم بطرق سلبية بما فيها استخدام العنف أو الانخراط في حركات إرهابية، وبسبب ذلك الواقع المرير، تكون علاقة المواطن بالدولة تشكيكية وارتيابية، بما فيها علاقته بالمرفق العام والبيئة والخدمات.

وفي أحيان أخرى ترى بعض «المواطنين» يستعيضون عن المواطنة عبر التخيّل، أي مواطنة متخيلة أو حالمة وربما واهمة، لاسيما أن الجنوح إلى استخدام العنف وربما الإرهاب له جذوره الاجتماعية والاقتصادية إضافة إلى جذوره السياسية والقومية والدينية والثقافية والنفسية وغير ذلك.
هكذا يلتجأ المواطن إلى بدائل قد تكون سلبية أو إيجابية، فإما الانكفاء والقنوط أو التمرد والعنف، وقد وجد البعض طريقه إلى المواطنة الكونية عبر الإنترنيت، خصوصاً الإحساس الذي يولدّه بالحرية وعدم وجود رقابة مباشرة أو آنية، بدرجة يشعر أحياناً أنه مواطن كوني، فوق وطني وما بعد قومي، يتجاوز حدود المكان والقوانين والحدود، وقد يشطّ به الأمر فيتصور نفسه سوبرمان جديد يستطيع أن ينتقل من أقاصي الدنيا إلى أقاصيها في لحظات، فيخاطب من يشاء عبر شاشة صغيرة في مقهى أو من المنزل أو في المكتب أو أي مكان عام أو خاص آخر.

المواطن الإلكتروني ما فوق الوطني وما بعد القومي، هو مواطن افتراضي لديه إحساس واهم أنه حرٌ وأن حريته تتجاوز كل المحظورات، وإذا ما واجه الواقع فستكون هناك حدود ومطارات وجوازات سفر وحقوق وواجبات وقوانين وأنظمة وسجون ومصالح وقوى دولية متنفذة لا يستطيع تجاوزها، وقد يصطدم بنوع من الرقابة غير المنتظرة التي تأتي لاحقاً، ولعل بعض البلدان النامية ما تزال تخضع الإنترنت لديها لرقابات مشددة، والغريب في الأمر أن بعض الدول المتقدمة حذت هذه المرة حذو الدول المتخلفة بوضع أسماء وقوائم الكثير من «المشبوهين» لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر على قائمة المراقبة بما فيهم المعادين لسياساتها وإن لم يكونوا إرهابيين أو لهم علاقة بالإرهاب من قريب أو بعيد.

وإذا كانت العولمة وثورة الاتصالات قد عممت فكرة المراقبة على المستوى الدولي فإنها زادت كذلك من انسحاق الشعوب واستتباعها، خصوصاً الشعوب المُستضعفة، وهذا هو الوجه المتوحش للعولمة، فإن الوجه الآخر المشرق لها يقتضي عولمة حقوق الإنسان والثقافة ومنجزات العلم والتكنولوجيا، وما استخدام الإنترنيت وفضاء الحرية الذي أوجده إلا أحد إيجابيات العولمة رغم شراستها وهمجيتها، الأمر يستوجب توظيفه على نحو إيجابي وواقعي، وليس افتراضياً أو توهمياً. إذ إن افتراض أو تخيّل المواطن كونه مواطناً إلكترونياً بلا قيود سرعان ما يصطدم بصخرة الواقع الصلدة، ومعها تبدد أوهامه ليعود حيث كان يرزح تحت نير فقدان الحقوق المدنية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الانتقاص منها أو تعليقها بحجج واهية.

العالم يحتاج إلى مواطنة تحترم الحقوق والحريات كما أفادت الشرائع الدولية لاسيما المرجعية العالمية لحقوق الإنسان، وخصوصاً احترام حق الشعوب والأمم واحترام حقوق الأفراد في المساواة والحرية والمشاركة والعدل في إطار المشترك الإنساني والهوية الجامعة.


وكما يقول النفّري: إني أحدثك لترى فإن رأيت فلا حديث!!

 

 


• باحث ومفكر عربي