معنى هزيمة الولايات المتحدة في العراق ماجد الشيخ
لا معنى للقول بهزيمة الولايات المتحدة، إذا كانت مثل هذه الهزيمة، توازي أو تفوق
عملية فرط بلد عربي، كان يعوّل عليه أن يشكّل في المستقبل؛ مقوّمات دولة/ أمّة، رغم
نظامه الديكتاتوري الذي توسّل أفكارا قوميّة وأيديولوجيا قومويّة موهومة، وأفشى
فاشيّته المعروفة؛ سبيلا للاحتفاظ بالسلطة، دون أن تؤدّي »تحديثيّة« ذاك النظام، في
وقت من الأوقات، إلى تحوّلات حداثيّة عصريّة، قدر ما ارتدّت به تحوّلاته الذاتيّة،
أو تحوّلات أوهامه الذاتيّة إلى نكوصيّة ارتداديّة، بالغت في الغبّ من تراث وإرث
استبدادي، تقطّعت معها كل سبل التقدّم والعيش في عصر الحداثة التقانيّة، رغم توافر
إمكانيّة تملّك تقانيّات الحداثة العصريّة الراهنة.
ذاك النظام يتحمّل المسؤوليّة المباشرة عن استدعاء الغزاة الأميركيين وتحالفهم
الدولي لاحتلال العراق، وإشراك بعض جيرانه الطّامحين للعب أدوارهم الإقليميّة، في
تقاسم مغانم نتائج هذا الاحتلال، فيما لعب انفلات التذرّر المجتمعي والعرقي
والطائفي والمذهبي، الدور الحاسم في تحويل العراق إلى مستنقع باتت الولايات المتحدة
فيه؛ تعاني هزيمتها الذاتيّة في نظرتها لنفسها، ولواقع استعصاء استعادتها زمام
مبادرة هيمنتها العامّة، وبالأخصّ على تطوّرات بلد يخرج من إطار إمساكها فيه ـ رغم
احتلاله ـ فيما بات هناك من يشاركها احتلالها؛ مشاركة أقلّ ما يقال فيها إنّها ليست
مدفوعة الثمن، قدر ما تشكّل ربحا صافيا لها ولجبهة حلفائها المذهبيين والطّائفيين،
الآخذين بزمام قسم لا بأس به من مهمّة الدولة ووظيفتها، وحتّى التّحكم بقسم لا
يستهان به من ثرواتها، إلى الحدّ الذي باتت الدولة العراقيّة وبشروط حالها ووضعها
الراهن، تفتقد كل مقوّمات حياتها كدولة ذات سيادة؛ تمتلك أو تسيطر على بناها
المستقلّة، وحتّى كفاءاتها العلميّة أو عناصرها السلطوّية البيروقراطيّة من موظّفي
الأجهزة الحكوميّة، وهي التي تعيش اليوم، ومنذ خمس سنوات، حال التفكّك القائم على
غياب الدولة الناظمة أو حتّى السلطة القائمة.
كل هذا ليس جرّاء هزيمة الولايات المتّحدة، بل جرّاء إخفاقاتها الناتجة من آلاف
الأخطاء التكتيكيّة التي باتت تعادل بعض أخطاء استراتيجيّة، لم يفت بعد أوان
إمكانية الدّفع بها أو إصلاح ارتداداتها، خاصة في أرض مواتية، ما فتئت تتخلّف عن
اللحاق بركب التّقدّم والحداثة والتنمية المستدامة في بناء المجتمعات والدول.
على هذا .. أمسى تديين السياسة، كما تديين المقاومة، و/أو »أسلمتها«
معادلا لاستخدام الدين كنظام شمولي، وتلك وصفة باتجاه أقصر الطرق، نحو استبقاء
الهزيمة في أفق الأرض الموعودة بالتحرّر والتحرير. وإذا كانت الولايات المتّحدة قد
هزمت في العراق، فمن هو المنتصر يا ترى؟
على أيّ حال، فالهزيمة إن تحقّقت، فيما حقّقت بعض أهدافها وليس كلّها، فلا يبدو
أنّها الشرط الشارط لتطبيق أو البدء بتطبيق استراتيجيّة انسحاب القوّات الأميركيّة
من أرض، يمثّل وجودها واستمرارها فيها هزيمة من نوع آخر؛ هزيمة في نظر ذاتها قبل أن
تكون في نظر آخرين.. لم ينتصروا بالأساس، بل هم في ظلّ هزائمهم يعمهون.
وفي شهادة شاهد من أهلهم، رأى جوزيف كولينز الذي شغل ما بين ٢٠٠١ـ٢٠٠٤ منصب مساعد
وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد، الذي كان أحد أبرز مهندسي غزو العراق، أن تلك
الحرب »مثّلت هزيمة نكراء وخلقت ملاذا آمنا للإرهابيين، وأعطت الجرأة اللازمة
لإيران كي توسّع نفوذها عبر المنطقة«. وقال في دراسة له بعنوان »اختيار الحرب،
القرار باجتياح العراق ونتائجه« نشرتها جامعة الدفاع الوطني: »أنّه إذا قسنا الحرب
في العراق بالدم الذي أزهق، والمال الذي صرف، فقد أصبحت أمّ الحروب وهزيمة نكراء«
.
وأضاف: »أنّ الولايات المتحدة تدفع حاليّا ثمن هذه الأخطاء: احترام أقلّ في العالم،
واتّكال أكبر على الجيش، وتأثير سلبي بالنسبة للحرب على الإرهاب التي حوّلت حاليّا
الأولويّة للعراق، لناحية الوسائل البشريّة والماديّة واهتمام المسؤولين«.
وإذا ما كان الأميركيّون حقّا لا يعرفون جيّدا حقائق المنطقة، فإنّ كل ما يهمّهم
بالأساس، ليس المعرفة ولا الحقائق التي تمثّل ومثّلت أساس الاستشراق الغربي الذي
مثّل يوما طليعة الاستعمار، بل توظيف هذه المعرفة وتلك الحقائق من أجل تطويع
المنطقة بالهيمنة المطلقة عليها، ومحاولة تطويح معارضي تلك الهيمنة من غير
اللفظيين، واللعب عبر الصفقات »الفوقيّة«
و»التحتيّة« مع بعض جوقة الممانعين على سبيل المثال (سوريا وإيران).
وفي كلّ الأحوال، تبقى مراكز الأبحاث الأميركيّة ـ والغربيّة عموما ـ أكثر صدقا
وجدّية وحيويّة من مراكز أبحاثنا العربيّة ـ إن وجدت ـ خاصة لجهة تقييماتها الآنيّة
وغياب رؤية استشرافيّة أو نقديّة، يمكن الرّكون إليها في مدى النظر إلى المستقبل.
هذا عدا الطابع الأيديولوجي المغرق في خطله السياسي وأخطائه المتعمّدة؛ العامدة إلى
تجييرها لمصلحة نظم بطركيّة وسلطويّة واستبداديّة، تقف حجر عثرة أمام تلك العمليّة
التاريخيّة المعنيّة بالتحديث. فما بالنا حين نكون أمام مهمّة أكثر تاريخيّة؛
عمادها استدخال الحداثة إلى مجتمعاتنا وصولا إلى بناء دولة .. الدولة /الأمة.
الأخطاء الاستراتيجيّة التي وقعت، أو أوقعت في شباكها الولايات المتحدة ليست من
النوع القاتل، إلاّ إذا أصرّت الإدارة الأميركيّة على البقاء تحت تأثير إخضاعها
لاندفاعة متطرّفيها من المحافظين الجدد، بشأن أهداف التمركز حول النفط، كأهداف
عليا. وما تظهره وقائع ومجريات الصراع على العراق حتى الآن، أن خسارة الإدارة
لسمعتها الأخلاقيّة وفقدانها النسبي لهيبة ردعها، على الأقل، وحتّى الإدارة
القادمة، في سعيها لاستكمال أهداف الإدارة السابقة، الحاليّة، ليست تلك الخسارة
الاستراتيجيّة النهائيّة التي تتيح بروز منتصر بالمقابل. هناك رابحون لا شك من
خسارة العراق كدولة، وكمركز حضاري تاريخي لحضارات بادت، وكمجتمع نجح »الرابحون«
في تمزيقه وتفتيته، وفي رسم حدود الدم بين أبنائه، عبر تلك الفيدراليّات المتخاصمة
حتى مع ذواتها، لكن دون أن تتبلور بعد صورة الخاسرين نهائياً لأهدافهم
الاستراتيجيّة، فالإدارة الأميركيّة الحاليّة؛ وحتى تلك القادمة، قادرة، وعلى قاعدة
استمرارها برسم حدود نصرها الموهوم في العراق، على دراسة خياراتها، واختيار الأنسب
لها انسحابا أو بقاء، عبر وجود احتلالي مباشر أو عبر قواعد عسكريّة دائمة؛ تحاول
المعاهدة الأمنيّة التي يجري التّباحث في شأنها الآن تقنين مثل هذا الوجود، لا
سيّما أنّ توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون؛ ليست مستبعدة كلّها من تفكير مخططي الإدارة،
كما أن توصيات وملخّصات أحاديث باتريوس ـ كروكر أمام الكونغرس، وتقييمات الإدارة
بكامل مؤسساتها، وهذه كلّها معطيات لا يمكن إلاّ الاستناد إليها في تقييم واقع
الوجود الاحتلالي الأميركي للعراق، وما ينطوي عليه من لفظيّة نصر مزعوم، في مقابل
لفظيّة لا معنى لها عن هزيمة للولايات المتّحدة لم تتحقّق بعد.. وقد لا تتحقٌّق
قريبا، ما دامت الممانعات اللفظيّة ليست أكثر من تنويعات استبداديّة سلطويّة على
لعبة »استنقاذ« مجتمعاتها من براثن الحداثة، بل وإغراقها في ألعاب تذريرها
واستبقائها عند حدود إرثها وتراثها التقليديين.
وحتّى لا تطربنا كلمات من أمثال هزيمة الولايات المتّحدة، لتقعدنا عن البحث عن
أسباب نكوصنا وهزائمنا وأسباب تأخّرنا، لا ينبغي لنا الانسياق خلف أوهام الكلمات
والمواقف اللفظيّة المنسوجة من »حتميّات« لم تتحتّم، ومن »إلهيات« لم تتحقق، إلاّ
لأن الإرادة الإنسانيّة كان لها قصب السبق في فرض كينونة وصيرورة ما كان وما صار،
وما قد سيكون، أو قد يصير، حيث للعقل الدور الرئيس في اجتراح الحلول، في حين ما كان
أو سيكون لتغييبه؛ سوى أن يؤدّي إلى ما نحن فيه من محن وأزمات استفحلت؛ حتى باتت
مآزق بتنا بدورنا نتحدّث عنها، ونحدّث فيها ولا حرج.
([)
كاتب فلسطيني