اللاجئون
والحقوق الدولية
د. عبدالحسين شعبان
تزداد نسبة اللاجئين في العالم على نحو مريع ويبلغ عددهم حسب بعض الاحصاءات الدولية أكثر من 26 مليون لاجئ، غالبيتهم الساحقة من دول الجنوب الفقير المتوجهة الى دول الشمال الغني، وبينهم نسبة كبيرة من العرب والمسلمين لاسيما في السنوات الأخيرة.
وإذا كان هناك أكثر من 10 ملايين مسلم وعربي قد استقروا في أوروبا وعدد أقل في أمريكا وكندا واستراليا ونيوزيلاندا وغيرها، فإن القسم الأكبر منهم كانوا لاجئين، ولعل هذا العدد المتعاظم يطرح موضوع حقوق اللاجئين على المستوى الدولي ومدى التزام الدول المضيفة والمستقبلة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية بهذا الخصوص، لاسيما بعد الكثير من الحوادث والانتهاكات سواء على المستوى الجماعي أو الفردي، ثم لماذا لم توقع غالبية الدول العربية والاسلامية على هذه المعاهدات، وبالتالي تقف حجر عثرة أمام أحد تجليات القانون الدولي الانساني، على المستوى الكوني؟
ولعل مناسبة هذا الحديث هو اليوم العالمي للاجئين 20 حزيران/يونيو، وكانت ندوة متخصصة في وقت سابق قد تم تنظيمها في بيروت مطلع هذا العام 26/27 يناير/كانون الثاني 2008 أقامها اتحاد الحقوقيين العرب قد طرحت مسألة حماية اللاجئين والنازحين في ضوء أحكام القانون الدولي الانساني وبالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي.
ورغم اقترابنا من الذكرى ال 60 للاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 ديسمبر/كانون الاول 1948 وكذلك اقترابنا من الذكرى ال 57 على صدور اتفاقية جنيف بخصوص حقوق اللاجئين الدولية لعام 1951 وملحقها لعام ،1967 فإن مشكلة اللاجئين لا تزال تثير الكثير من الاسئلة ذات البعد الانساني والقانوني ليس في دول الجنوب فحسب، بل في دول الشمال أيضاً، لدرجة أصبحت تقلق الرأي العالم مثلما تقلق الحكومات والمنظمات الدولية، التي وقفت أحياناً عاجزة أو مقصّرة إزاء تقديم العون الضروري للضحايا وذويهم، ناهيكم عن تأمين الحقوق الأساسية للاجئين.
ورغم توقيع دول الشمال على الاتفاقية الخاصة بحقوق اللاجئين وملحقها، فإنها بدأت منذ فترة تتلكأ في الالتزام بها، بل تسعى الى وضع العراقيل أمام انتقال اللاجئين اليها من دول الجنوب وتحاول التملّص من التزاماتها بشأنهم، وإذا كان من واجبها العمل للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، فالأمر يقتضي مساعدة بلدان الجنوب على تحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسير في طريق التنمية وتطويق ظاهرة الفقر، ناهيكم عن إحداث تطور سياسي باتجاه الاصلاح والديمقراطية، وليس بوضع الكوابح والعقبات أمام اللاجئين وحقوقهم، كأن هؤلاء الضحايا هم المسؤولون عما حصل ويحصل من اشكالات ومشكلات، لدرجة تحميلهم عبئاً جديداً فوق أعبائهم الانسانية ومعاناتهم المركبة والمزدوجة.
وللأسف الشديد، فإن بعض بلدان الشمال بدأت تسنّ قوانين وتشريعات وأنظمة تحد من ظاهرة اللجوء أو تحول دون الحصول عليه بسهولة، متذرعة بالاختراقات والاحترازات الأمنية، لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الارهابية الاجرامية، وبخاصة بوجه العرب والمسلمين الذين تعتقد أنهم بيئة صالحة لتفقيس بيوض الارهاب، الأمر الذي يؤثر كثيراً على الحقوق والحريات المدنية والسياسية، تلك التي تراكمت بالتدريج وأصبحت جزءًا عضوياً من حقوق الانسان في الغرب، ولا يمكن التجاوز عليها أو تهميشها تحت أية ذريعة أو حجة، بما فيها مزاعم الحملة الدولية لمكافحة الارهاب الدولي التي شملت التضييق على اللاجئين والمهاجرين لاسيما من أصول عربية ومسلمة.
وإذا كان ساركوزي الرئيس الفرنسي يسعى الى إقامة اتحاد من أجل المتوسط بتطوير الشراكة الأورومتوسطية، فإن الاتحاد مثلما هي الشراكة يتطلبان حرية انتقال البضائع والاشخاص (أي السلع والبشر) وبالتالي لا بد من النظر بجدية الى مسألة الشراكة والاندماج والمواطنة، وقبل كل شيء الى احترام حقوق الانسان بما فيها حقوق اللاجئين في ضوء ميثاق برشلونة لعام ،1995 لاسيما من الطرف الشمالي، خصوصاً إزاء طالبي اللجوء والعمال الاجانب، وذلك بعدم التمييز ضدهم، حيث تميل السياسة العملية الاوروبية بالنسبة للمهاجرين الى انتقائية غير مبررة فتقوم بتصنيف اللاجئين إلى أوروبي وغير أوروبي (جنسيات أخرى)، وتضع الفوارق بينهم أحياناً باعتبار أن الأوروبيين ينتمون في الغالب الى الدين المسيحي (أوروبا الشرقية) مع خصوصية بولندا التي غالبية سكانها من الكاثوليك وهم أكثر قدرة على الاندماج، في حين أن مسألة الاندماج بالنسبة للعرب والمسلمين تشكّل معضلة لا يمكن تجاوزها بسهولة.
التمييز لهذه الأسباب لاسيما إذا انعكس اقتصادياً يدفع المهاجرين العرب والمسلمين الى الشعور بالعزلة، وقد يؤدي الى التطرف في ظل تصاعد النزعات العنصرية والتعصبية والفاشية الجديدة وكره الاجانب في أوروبا، ويزداد الأمر سوءاً في ظل فقر الجاليات العربية والمسلمة وضعف المستوى التعليمي، مما يؤدي الى خيبات أمل ومرارات تنجم عن ردود فعل وأعمال عنف، وأعتقد أن دراسة خاصة لأوضاع الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا وأمريكا تعكس حقيقة ذلك، لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
وهنا لا بد للبلدان العربية والمسلمة أن تتخذ الاجراءات الكفيلة للتوقيع على الاتفاقيات الدولية بشأن حماية اللاجئين، لاسيما اتفاقية العام 1951 وملحقها لعام ،1967 إضافة الى المعاهدات والمواثيق الدولية بشأن حماية حقوق الانسان وأن تلتزم بها، وتسعى لتوثيق علاقاتها بجالياتها في أوروبا وأمريكا بشدّها الى الوطن الأصلي والاستفادة من امكاناتها وكفاءاتها، سواء داخل الوطن أو حيث تعيش، لاسيما في الدفاع عن قضاياها العادلة في الغرب، بحيث يمكن أن تؤسس للوبي وجماعات ضغط (عربية ومسلمة) على الدول المضيفة لصالح المشترك الانساني ولتقديم الصورة الحقيقية لبلدان الأصل التي غالباً ما يتم تشويهها لأسباب سياسية أو استعلائية.
إن حقوق اللاجئين ليست منّة أو هبة أو هدية من أحد، بل هي جزء من تطور القانون الدولي الانساني، فرضه التطور الدولي واحترام حقوق الانسان، وبالتالي لا يمكن تبرير انتهاكها أو التجاوز عليها، لأن ذلك يرتّب مسؤوليات على الحكومات والجهات التي تقوم بذلك.
* باحث ومفكر عربي