البديل : حول الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية عبدالغفار شكر
يتوقف نضج الحياة السياسية في مصر بدرجة كبيرة علي القدرة علي بناء الأحزاب كمؤسسات
قابلة للاستمرار بنفس القوة والاستقرار بصرف النظر عن الأشخاص القائمين علي قيادة
هذه الأحزاب. طبعاً هناك عوامل أخري تساهم في استمرار الأحزاب وازدهارها مثل البيئة
التشريعية والإعلامية المحيطة بالتعددية الحزبية،
ومدي
تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم السياسية، ومدي امتلاك الأ'حزاب رؤي سياسية
متكاملة قادرة علي إخراج البلاد من مأزقها الراهن. ولكنني أعتقد أنه في ظروف مصر
الراهنة وأوضاع الأحزاب السياسية القائمة فان بقاء الحزب أي حزب كمؤسسة يعتبر
القضية المحورية في الحالة الحزبية الراهنة حيث نلاحظ أن عدداً كبيراً من الأحزاب
القائمة سواء الموصوفة بالأحزاب الرئيسية أو الأحزاب الصغيرة يرتبط بدرجة كبيرة
بأشخاص المؤسسين للحزب وخاصة رئيس الحزب والمجموعة المحيطة به، وقد رأينا كيف أن
حزباً كبيراً مثل الوفد قد دخل مرحلة من الصراعات وعدم الاستقرار بعد رحيل مؤسسه
فؤاد سراج الدين، وقد ساهم في هذا الوضع غياب الطابع المؤسسي للحزب حيث اختص رئيس
الحزب نفسه بصلاحيات كبيرة مثل حقه في تعيين جزء من القيادة الحزبية. ويدور الخلاف
حول مدي أحقية الهيئات الحزبية المختلفة في حسم الخلافات داخل الحزب، كما رأينا
أقدم الأحزاب الثلاثة في مصر ومنها حزب الأحرار الذي انقسم إلي شظايا بعد رحيل
مؤسسه مصطفي كامل مراد حيث كان ينتازع علي رئاسة الحزب أكثر من سبع شخصيات
.
وهناك العديد من الأحزاب الصغيرة التي لم تعد موجودة عمليا بعد رحيل مؤسسها. والسبب
الأساسي في هذه المشاكل غياب الطابع المؤسسي لهذه الأحزاب.
ونقصد بذلك أنه لايوجد كيان تنظيمي محدد توجد بداخله هيئات قيادية تحكمه قواعد عامة
للعلاقات الداخلية سواء كانت هذه العلاقات بين هذه الهيئات القيادة وبعضها، أو
بينها وبين أعضاء الحزب. والمهم هناك أن يتوفر للحزب بناء تنظيمي يغطي مساحة واسعة
من القطر المصري يضم في صفوفه عدداً كبيراً من الأعضاء، ويخضع الجميع داخل هذا
البناء التنظيمي لقواعد عامة تحكم علاقتهم ببعضهم، وتسري هذه القواعد علي قيادات
الحزب وأعضائه في كل المستويات، ومن المهم أيضا أن توفر هذه القواعد التي تحكم
العلاقات الداخلية للحزب وضعاً ديمقراطياً يكفل تأثير الأعضاء علي قرارات الحزب
وتوجهاته السياسية. ويكفل مشاركة حقيقية للأعضاء والقيادات في كل المستويات في
التحضير لهذه التوجهات والقرارات وصياغتها وإصدارها. وتلعب الديمقراطية الداخلية
دوراً هاماً في تماسك الحزب وحيويته عندما تتيح للأعضاء اختيار قيادات الحزب
وتغييرهم دورياً وسحب الثقة ممن لا يعبر عن توجهات الأعضاء. كما أن هذه الديمقراطية
الداخلية عندما تقوم علي منح الأعضاء الفرصة لإبداء الرأي في ممارسات القيادة ونقد
هذه الممارسات فإنها تهييء الفرصة للحزب لتصحيح مواقفه وتدارك الأخطاء التي تقع
فيها القيادات المنتخبة، وتساهم الديمقراطية الداخلية للحزب في زيادة فاعليته
الجماهيرية ونفوذه السياسي عندما تمكن أعضاء الحزب العاديين من مراقبة أداء القيادة
والتأثير المستمر علي أدائها لدورها. وقد برزت في السنوات الأخيرة مشاكل عديدة
وخلافات حادة داخل الأحزاب السياسية نابعة من نقص في الديمقراطية الداخلية لهذه
الأحزاب. وهناك اقتراحات عديدة لتطوير الحياة الداخلية للأحزاب السياسية المصرية
بما يعمق هذه الديمقراطية الداخلية ويتلافي هذه المشاكل والخلافات.
من هذه الاقتراحات العدول عن الهيكل التنظيمي الهرمي الذي يتكون من مستويات عديدة
تباعد بين أعضاء الحزب وقياداته المركزية وتضعف تأثير الحزب في مجله علي قيادته
المركزية (مستوي الوحدة الأساسية ـ مستوي القسم أو المركز ـ مستوي المحافظة ـ
المستوي المركزي) وداخل كل مستوي يوجد المؤتمر ـ اللجنة ـ الأمانة) ونتيجة لهذا
التسلسل القيادي لم يعد أعضاء الحزب قادرين علي التأثير القوي علي أداء القيادة
المركزية للحزب، وكثيراً، نلاحظ أن أعضاء الحزب غير راضين عن التوجهات السياسية
أوممارسات القيادة المركزية. وهناك اتجاه جديد لبناء الهيكل التنظيمي للحزب يمكن أن
يحل هذه المشكلة ويمكن أعضاء الحزب من التأثير أكثر في أداء القيادة ويتحدد هذه
الاتجاه في الاكتفاء في هيكل الحزب بمستويين قياديين فقط هما المستوي القاعدي في
الوحدات الأساسية والمستوي المركزي، حيث يقوم أعضاء الحزب بانتخاب أعضاء المؤتمر
العام مباشرة بدلاً مما يجري حاليا حيث تنتخب لجنة الوحدة الأساسية عليها إلي مؤتمر
القسم، وتقوم لجنة القسم باختيار مندوبيها إلي مؤتمر المحافظة، وتقوم لجنة المحافظة
باختيار فيرد عليها إلي المؤتمر العام، وبذلك يتم التحكم فيمن يصل إلي عضوية
(المؤتمر العام)،
وتتم تصفية الأعضاء، الذين لايسايرون القيادة في توجهاتهم، فإذا اقتصر بناء الحزب
علي مستويين فقط واختار الأعضاء بأنفسهم المندوبين إلي المؤتمر العام فإن الحزب
يصبح أكثر ديمقراطية ويستطيع الأعضاء التأثير أكثر في أداء القيادة المركزية. وفي
هذه الحالة فإن لجان الأقسام والمراكز تصبح لجان تنسيق النشاط وليست هيئات قيادية.
أما الاقتراح الثاني أو التوجه الثاني الذي يمكن أن يدعم الطابع الديمقراطي للحياة
الحزبية الداخلية فإنه يدور حول ضرورة خوض القيادات السابقة الانتخابات الحزبية في
كل مؤتمر عام ابتداء من الوحدة الأساسية التي ينتمون إليها وعدم استثنائهم من هذه
الانتخابات بحيث يكون كل منهم مهما كان وضعه القيادي مضطراً إلي العودة لقواعده
للحصول علي ثقتها من جديد.
وهناك اقتراح ثالث وهو أن تعتمد كل الأحزاب السياسية في مصر مبدأ عدم استمرار الشخص
في نفس المستوي القيادي لأكثر من دورتين متتاليتين لضمان تجديد القيادة الحزبية،
وإتاحة الفرصة لعناصر شبابية لتولي المواقع القيادية.
وسوف تساهم هذه التوجهات الثلاثة في محاصرة ظاهرة البيروقراطية الحزبية التي تتشكل
نتيجة التواجد في الهيئات القيادية لفترات طويلة وعدم العودة للقواعد الحزبية
لتجديد الثقة بها والتباعد بين القاعدة الحزبية والقيادة المركزية بسبب تعدد
المستويات الحزبية. وفي هذا الوضع الجديد إشاعة للحيوية داخل الأحزاب السياسية وخلق
الفرصة للتجديد في القيادات وفي الأساليب.
ربما ينظر البعض إلي أن المسألة التنظيمية ليست بهذا القدر من الأهمية ولكنني أعتقد
أنها مسألة أساسية لسلامة البناء الحزبي وتهيئة المجال للتفاعل الديمقراطي داخل
الحزب تساعد علي سلامة التوجهات السياسية
<