العراق
محاولات الفيدرالية
التقسيمية ستبوء بالفشل
هارون محمد
كركوك تستحق ان نكتب عنها كل يوم، ونتحدث عن مأساتها كل ساعة، ونكشف
المؤامرات عليها كل لحظة، لانها تتعرض الي هجمة ، تقودها أحزاب كردية انفصالية
وأطراف طائفية ودوائر امريكية واسرائيلية لفصم المدينة عن حاضنتها العراقية وفصلها
عن الوطن الكبير، والحاقها بأقليم الجيب الذي بات مرتعا للسراق والمهربين
والجواسيس، وسوقا لكل سلعة فاسدة وبضاعة كاسدة، وتحول الي بؤرة للتآمر ليس علي
كركوك ومحاولة اقتطاعها من جسدها العراقي، وانما علي وحدة العراق وسيادة العراق
وعروبة العراق
.
وعندما نلح في الحديث عن كركوك ونكتب عنها باستمرار، فاننا
ننطلق من جملة اعتبارات وطنية وقومية وانسانية، في مقدمتها ان كركوك مدينة عراقية
استراتيجية ليس لان فيها غزارة نفطية، فكل مناطق العراق من الموصل شمالا الي البصرة
جنوبا، ومن ديالي شرقا الي الانبار غربا تطفو والحمد لله علي محيط من النفط والغاز،
هذه حقيقة معروفة للجميع، وانما هي ا ستراتيجية لموقعها الجغرافي علي الحافة
الشمالية الشرقية من العراق تمثل جناحا عراقيا ضاربا ودرعا صادا للتحركات المعادية
للعراق والعرب، اضافة الي نسيج سكانها المتماسك وطنيا.
ان الاحداث التي شهدها
مجلس النواب في المنطقة الخضراء ببغداد في الاسبوع الماضي ومحاولات نواب طالباني
وبارزاني وعبد العزيز الحكيم، في الهيمنة علي قرارات المجلس وتسخيرها لخدمة
المشاريع الانفصالية والفيدراليات التقسيمية، مؤشرات علي استمرار الهجمة الشرسة
لتمزيق العراق وتقطيع أوصاله . وحتي يطلع العراقيون والعرب علي حقيقة ما جري في
(
مجلس النواب ) يوم الثلاثاء الماضي، وكيف تنمر النواب الاكراد ضد كل قرار او قانون
يشمون منه مجرد شم انه لا ينسجم مع طروحاتهم الانفصالية ونزعاتهم الاستحواذية، نشير
الي ان عدد النواب في ذلك اليوم الذي خصص مسبقاً لمناقشة وإقرار قانون انتخابات
المحافظات هو 227 نائباً وكان تصويتهم علي مواد القانون يجري سلساً وبشكل طبيعي الي
ان وصلوا الي المادة 24 التي تخص انتخابات كركوك، حيث طرح التحالف الكردي وبعض نواب
الائتلاف الشيعي وخاصة جماعة عبدالعزيز الحكيم آراء متناقضة، ففي أول الامر طالبوا
بتأجيل النظر في هذه المادة وترحيل البحث فيها والموافقة عليها الي فترة لاحقة، ثم
عادوا وطالبوا باحالة هذه المادة الي المحكمة الدستورية او الادا رية العليا لبيان
رأيها فيها، ولما فشل الاقتراحان أرادوا إحداث بلبلة وفوضي في الجلسة والقصد واضح
..
ونظراً لإصرار اغلبية النواب علي ضرورة الانتهاء من مناقشة المادة 24 والتصويت
عليها، أدرك النواب الأكراد ومعهم النائبان الشيوعيان حميد مجيد موسي ومفيد
الجزائري وبعض اعضاء المجلس الشيعي الاعلي وعلي رأسهم الملا خالد العطية نائب رئيس
المجلس ان ثمة هزيمة ستلحق بهم، خاصة وان عدداً من نواب الائتلاف الشيعي طلب اجراء
التصويت علي المادة المذكورة بالتصويت السري واعترض النواب الاكراد وطالبوا بتصويت
علني في محاولة منهم لاحراج قادة بعض الكتل الذين عقدوا صفقات واتفاقات مع التحالف
الكردي . واخيراً صوت 124 نائباً لجعل التصويت سرياً، بينما صوت 103 نواب لصالح
التصويت العلني وفاز التصويت السري حسب ( النظام الداخلي ) الذي صدع رؤوسنا جلال
طالباني من كثرة ما تحدث عن مزاياه وانجازاته الديمقراطية، وانسحب نواب التحالف
الكردي والنائبان الشيوعيان وبعض نواب المجلس الشيعي الاعلي، وصوت 127 نائباً من
اصل 142 نائباً حضروا الجلسة، وثارت ثائرة النواب الاكراد ووصل الامر بقيام أحدهم
بتهديد النواب بالقتل والاغتيال كما حدث للنائب محمد تميم، وتلويح الملا خالد
العطية بفصل نواب في الائتلاف وقفوا ضد رغبة التحالف الكردي
.
وعندما كنا نقول
ونؤكد ومازلنا علي رأينا بان المسؤولين الاكراد في بغداد لا يتصرفون كمسؤولين
عراقيين وانما كحزبيين اكراد لهم اجندتهم التي تتناقض تماماً مع الاجندة الوطنية
العراقية فاننا نستند الي معطيات ملموسة، والدليل علي ذلك ان من يسمي برئيس
الجمهورية العراقية عندما لاحظ ان قرار مجلس النواب لا يتوافق مع الاجندة الكردية
الحزبية، فانه رفض المصادقة علي القرار، وانتقد النواب الذين وافقوا عليه، واعتبرهم
متجاوزين علي القانون وهددهم بالويل والثبور وعظائم الامور، في حين ان مسعود
بارزاني لم يكتف بتصريحاته وتهديداته وانما طار الي بغداد للتلويح بحرب طويلة مع
العراقيين الذين لا يوافقون علي الحاق كركوك باقليمه
.
أما أغرب المواقف
المتواطئة مع التحالف الكردي الانفصالي، كان موقف خالد العطية القيادي في المجلس
الشيعي الاعلي ونائب رئيس مجلس النواب، فهذا المعمم الذي رفض ادانة ايران لاحتلالها
الجزر العربية خلال مؤتمر البرلمانيين العرب في اربيل في شباط ( فبراير ) الماضي،
وادعي انها ايرانية ولا يحق للعرب ودولة الامارات المطالبة بها، لم يكتف بتبرير
موقف النواب الاكراد وايجاد الذرائع الواهية لانسحابهم، وانما راح يشكك بعملية
التصويت التي جرت تحت اشرافه، الامر الذي دعا مئة نائب يمثلون العديد من الكتل
النيابية والسياسية الي الانسحاب من جلسة المجلس الاربعاء الماضي احتجاجاً علي
تصرفات العطية وممارساته الانحيازية للتحالف الكردي، وقال النواب المئة في بيان
وزعوه علي وسائل الاعلام ان العطية ارتكب الكثير من المخالفات القانونية واثبت عدم
حياديته، وطالبوا بوقف ممارساته واكدوا انهم بصدد تهيئة الاجواء لاقالته من موقعه
قريباً
.
لقد وصلت مؤامرة سلخ كركوك من الوطن العراقي والحاقها باقليم بارزاني
وطالباني الي نهايتها المحتومة، وفشل المشروع الكردي الانفصالي في فصمها عن حاضنتها
العراقية، واثبت عرب وتركمان ومسيحيو كركوك اصالتهم الوطنية وتفانيهم من اجل كركوك
عراقية ونجحوا بوقفتهم البطولية ضد الاحزاب الانفصالية في اجهاض كل المحاولات
الرامية لعزل هذه المدينة الباسلة عن العراق الكبير.
ہ كاتب وصحافي
عراقي مقيم في لندن