الحلفاء المحليون والإحباط الأميركي في بلاد الرافدين  عبدالزهرة الركابي

 

 

 

لم تألُ أميركا جهداً في محاولاتها ومساعيها لإيجاد الحلفاء الذين يكونون بدلاء عنها في محاربة أعدائها وخصومها في شتى المواقع، وباتت ترى في الحلفاء الذين نصبتهم في العراق وأفغانستان وحتى في باكستان عبئاً ثقيلاً يؤرق أحلام سياستها التي تعطلت مشاريعها من جراء جسامة الإخفاقات التي طالتها.
ومجريات الأحداث على الرغم من تداخلاتها في العراق، بيد إنها كشفت عن الاحباطات الحقيقية التي واجهتها أميركا في العراق، حيث أنها فشلت تماماً في تحويل حلفائها المحليين في العراق الى (بدلاء) في قتالها ضد المقاومة العراقية من جهة وضد تنظيم القاعدة من جهة أخرى، على الرغم من اندفاع كل الأطراف في التحالف معها في ما يسمى الحرب ضد الإرهاب ولكن أيضاً بشروط محددة.
ويؤكد المحلل السياسي (نيكولاس كفوسديف) في تقرير نشرته شبكة ناشيونال انترست أونلاين في الفترة الأخيرة من خلال قوله، امتدح الرئيس الأميركي مساهمات العراق والباكستان في الحرب ضد الإرهاب، عندما استشهد بوش في أحد خطاباته الأخيرة بشكل محدد بـ(تزايد قدرات القوات العراقية) كأحد أسباب وصول القاعدة الى حالة الهرب من العراق، وبعد اجتماعه برئيس الوزراء الباكستاني في البيت الأبيض أخيراً، مضى الرئيس الأميركي في تأكيد أن الباكستان حليف قوي في القتال ضد التطرف الإسلامي.
لكن الحليف ـ يضيف كفوسديف ـ لا يمكن أن يكون بديلاً، حيث ظهر بعض الإحباط الأميركي حيال العراق والباكستان، ذلك لأن العراقيين والباكستانيين على وجه التحديد، لم يكونوا مستعدين ليجعلوا كل أعداء الولايات المتحدة أعداء لهم أيضاً، وكشيء جيد، فإن رئيس وزراء الباكستان (يوسف رضا جيلاني) والمؤسسة العسكرية الباكستانية، وأقطاب الشيعة بما فيهم رئيس الوزراء العراقي (نوري المالكي)، وكذلك السنة في تشكيلات (أبناء العراق) كلهم مستعدون للتحالف مع واشنطن ضد القاعدة، لكنهم يعرّفون القاعدة أو يفهمونها ضمن شروط محدودة أي أنها تنظيم (بن لادن والظواهري)، فيما كان رؤساء العشائر الذين رحبوا بتنظيمها، قد رأوا بمرور الوقت أن سلطاتهم الخاصة وامتيازاتهم تتعرض لهجمات القاعدة، واكتشفوا أن هؤلاء (المحاربين باسم الإيمان) راغبون جداً بضربهم وبـ (تكفيرهم) أيضاً، وأظهر عناصر القاعدة وتنظيماتها الفرعية بما لا يقبل الشك ـ يؤكد كفوسديف ـ أنهم راغبون تماماً في التضحية بحياتهم، وينطبق هذا الأمر على حالة جميع أفراد تنظيمات القاعدة سواء في أفغانستان، أو الباكستان، أو في بلاد الرافدين، متناسين أهدافهم الخاصة، طبقاً لتعبير الكاتب.
لكن المحلل الأميركي يستدرك في كتابته قائلاً، لكن القتال الأكثر تعميماً ضد (الراديكالية الإسلامية) لم يكن ضمن حسابات العراقيين، والحكومة في بغداد ـ كما يقول كفوسديف ـ سعيدة في محاربة الراديكاليين السنة، وربما هي ترحب بالمساعدة الأميركية لتقليل الحاجة الى استمرار الاعتماد على الدعم الإيراني في تقوية سلطتها لحكم العراق، كما إن ارتباط الحكومة العراقية بالولايات المتحدة يمكن أن يسفر عن ضغط كبير تمارسه الأخيرة ضد طهران باسم الحرب على الإرهاب، ولكن ذلك لن يحدث، لأن محاولات واشنطن تأكيد أن هناك ارتباطاً بين القاعدة وإيران لا يجد له صدى عند رئيس الوزراء (نوري المالكي) وفريقه في السلطة.
ومن جهتهم ـ يقول المحلل السياسي ـ فإن مسلحي (أبناء العراق) السنة كانوا مستعدين لقبول الأموال الأميركية، وتلقي الدعم من أجل تنظيم تشكيلات صحوة العشائر التي ساهمت في طرد عناصر القاعدة والمقاتلين الأجانب، وعلى خلاف ما فعلته الحكومة العراقية فإن جماعات السنة كانوا مرتابين من نفوذ إيران في العراق وهم راغبون في قتال امتداداته في العراق.
في حين ان الجماعات الشيعية وبشكل مريب أو (بذكاء وتحايل) أو بعذر عدم إثارة الحرب الطائفية، عزفت عن محاربة تنظيم القاعدة الذي كان يقف وراء إغتيال محمد باقر الحكيم وتفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، لكنها في الوقت نفسه لم تدخر جهداً في محاربة بعضها البعض حتى في الأماكن التي لها قدسية لدى الشيعة حسبما يقول الكاتب.
من الواضح ان التحليل الأميركي أعلاه لم يكن دقيقاً في كثير من الحوانب هذا أولاً، وثانياً لم يتطرق الكاتب الى الإحتلال الأميركي للعراق وإنما حصر تحليله في نطاق حرب أميركا على الإرهاب في العراق والباكستان، وهنا تكون المقاومة للإحتلال في العراق عملاً من أعمال الإرهاب وأسوة بأعمال تنظيم القاعدة، وثالثاً حاول الكاتب أن يتغافل عن حقيقة التسمية التي من المفترض أن تُطلق على الأتباع المحليين في أي بلد محتل مثل العراق، وهل هم وطنيون أم عملاء هذا من جانب؟!، والجانب الآخر هل ان قتالهم ضد تنظيم القاعدة في هذا الوقت يأتي بدافع الوطنية أم تحت سياق الإنابة أي القتال بالنيابة عن أميركا مقابل أجر مدفوع".
وإذا كانوا يقاتلون بدافع الوطنية، فإن هذه الوطنية توجبهم أيضاً القتال ضد الإحتلال وعدم مهادنته، لكنهم وبغض النظر عن خطر الإرهاب وضرورة محاربته باتوا في عداد عناصر الشركات الأمنية والمرتزقة ماداموا يقاتلون أجيرين، وماداموا يتوجهون الى الإحتلال في الشاردة والواردة بالنسبة لمشاكلهم العشائرية، وهم في هذا الوقت يستغيثون من الضربات الموجعة التي تلقوها من تنظيم القاعدة، ولكن السؤال هنا من يلبي إستغاثتهم : أميركا أم حكومة المالكي؟!.
والجواب: ان أميركا كما فعلتها في السابق، سوف تترك حلفاءها المحليين برمتهم في العراق الى مصيرهم المجهول، وعلى هؤلاء الإتعاظ من الهروب الأميركي من سايغون في فيتنام الجنوبية.