في باب
التقزيز والتنفير
علي السوداني
هذا اعلان منفّر مقزز جديد ، هواه ومراده وحلمه هو الترويج لصنف من عطر يستخدم لتبخير منطقة ما تحت الآباط وتلطيفها وتخليصها من عفن التعرق . بطلة ألأعلان أمرأة حلوة شقراء لا سمينة ولا نحيفة ، تنحشر في مصعد ، صحبة سلة منوعة من عباد الله الصاعدين وتقوم بقنص شعرها بوساطة كفها المخمس فيظهر ابطها فيرش المحشورين المكبوسين معها بزخة من رائحة مقرفة فتتقطب الحواجب وتتغامز العيون وتتخدّد الجبائن وتتسدد الخشوم ، فتكتشف المرأة الحلوة أن الداء انما ينام تحت ابطيها فتهبط كما طير مضروب بكبده وتشرد من المصعد مهرولة لاهثة مولّية وجهها الخجلان صوب بيت العائلة ، فترش الداء بعطر الورد وتخرج ثانية الى الشارع وتقبض على شعرها بكفيها فيشع أبطاها بضوع عظيم وتجرجر خلفها سبعين وغداً ووغدة . انا كرهت هذا الأعلان . في نفس باب التقزيز ، ثمة اشهار آخر عن حفاظات تستخدمها النسوة المكدّرات بدم النوبة الشهرية . الأعلان نجمته واحدة يظهرها الشريط في ثوانيه العشرة الأولى ، متذبذبة مكفهرة مترددة يائسة حتى اذا هرعت الى حمّام الفرفوري ، استلّت من كيس نايلون مزركش بألوان العافية ، قطعة بيضاء قطنية الملمس مذيّلة بجناحين لاصقين . وهنا يحدث قطع في الفلم ليعود ثانية على شكل وجه مشع مشرق محمر واثق يمشي في الشارع فلا ينظر خلفه ويهجر كرسياً في مطعم فلا يرى الى تحته . شخصياً لم أتعاطف مع هذا ألأعلان ولا انوي تبديل ذائقتي حتى لو مثّلت هذا الفلم الدقيق الحساس ، حبيبتي نيكول كدمان أو ملهمتي جوليا روبيرتس أو مذهلتي سلمى حايك . أعلان جديد يظهر للناس الناظرة ، سيدة أربعينية فاضلة ومسالمة تقوم بفتح باب مجمدتها لتصنع طعاماً للعيال ولأبي العيال ، فيفجؤها منظر مرعب لا تتبينه الكاميرا ، لكن تأويله سيقترب حتما من مرأى سبعة رؤوس آدمية مشلوعة من حد اللوزة ، فتصرخ المرأة كما لو انها كتيبة نساء فينختم الأعلان على أنه ترويج لمحطة فضائية تقول لك ، أن السينما صارت في بيتك وأنت على ميعاد مع وجبة طازجة من الخوف أمسية كل ثلاثاء . ألأعلان الرابع يقع في نفس الخانة ، وأنا منذ ساعة أقاتل لتليين وترطيب وتنعيش وتسريح صوفته ، لكن مجاهيدي راحت هباء منثوراً . اعلان ان شفته - عزيزي وعزيزتي - ستقوم من قعودك وتشقّ هدومك وتلطم خدودك وتهلس شعورك وتهجر بيت الزوجية وتخرج الى الناس وانت على هذه الحال ، فتضحك عليك نسوة الطرف ويرجمك ألأطفال الشياطين القساة بالحجارة ، واذ تؤوب الى الدار ، ستجدها خالية خليّة الّا من وريقة بيضاء تبزخ فوقها اربعة من أسطر الشماتة منقوشة بقلم زوجتك المبروكة التي نهبت الجهال وراحت الى بيت خالك العزيز . يوم الثلاثاء الجايّة ، سوف أحكي وأقص عليكم ثيمة هذا ألأعلان ان توفرت تحت يميني لغة قائمة على التأويل والتفسير وألأزاحة والمجاز .
أنعل ابو أمريكا !!!
alialsoudani61@hotmail.com