أسف وألف أسف

ربيع الحافظ

 

بسرعة ومن دون تلكؤ أرسل المدير العام لقناة الجزيرة رسالة اعتذار إلى إسرائيل رداً على احتجاجها على الاحتفالية التي أقامتها القناة لسمير القنطار في أحد برامجها، ووصفت الرسالة فقرات من البرنامج بأنها "انتهاك خطير لقواعدها الأخلاقية"، وتعهدت بفعل كل ما هو ضروري لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.

سبب الاحتجاج الإسرائيلي هو أن القنطار متهم بقتل فتاة يهودية، وأن الاحتفالية اعتبرت مساساً بمشاعر الشعب الإسرائيلي، وسلمت مذكرة الاحتجاج إلى مكتب الجزيرة في القدس، وطالب مدير مكتب الصحافة الإسرائيلي الجزيرة بإطلاعه على نتائج التقييم الداخلي الذي أجرته بشأن البرنامج، للتثبت من "أن الجزيرة استفادت من الدرس، وستصحح مسارها".

المعاملة الرسمية السهلة التي تقدمت بها إسرائيل، والرد الإجرائي السلس للجزيرة، سيدفع العراقي وأخيه الفلسطيني اللذين نحرت سكين الطائفية عشرات الآلاف من أحبائهم إلى التساؤل: هل احتفالية تأبين الجزيرة لعماد مغنية واضع خطة الحرب الطائفية وتهجير فلسطينيي بغداد التي نفذها جيش المهدي لا تعتبر مساساً بأحاسيسهم؟ أم القوم قد ذهبت ريحهم ولا اعتبار لأحاسيسهم؟ وإذا لم يكن الأمر هذا أو ذاك، فكيف يوصل العراقي احتجاجه إلى الجزيرة أسوة بالإسرائيلي؟

تساؤل العراقي والفلسطيني حق مشروع ومفهوم، ولكن دون إغفال ما هو أحق منه.

عندما وجهت سفيهة إساءات فاحشة إلى القرآن الكريم والإسلام على شاشة الجزيرة واهتز العالم العربي وتعالت أصوات المشاهدين بالاحتجاج، عندما حدث ذلك لم يبلغ مسامعنا أن الجزيرة عقدت جلسة طارئة لمجلس تحرير البرامج لمناقشة الحدث، أو أنها اعلنت أن الإساءة للقرآن الكريم شكلت انتهاكاً خطيراً لقواعدها الأخلاقية، أو أنها أوعزت إلى مدير البرامج لاستحداث كل ما هو ضروري من إجراءات لضمان عدم تكرار الإساءة.

عندما وقعت تلك الإساءة قيل: إن هذه القناة قامت على أنقاض قناة الـ
BBC العربية (الأولى) بعد سحب الدعم السعوديي لها، ولم يتوقع أكثر المتفائلين أن تكون معجزة الغد. انطلقت بطريقة عفوية ودوافع لم تخل من مشاكسات سياسية، وخاضت إشكاليات وسلوكيات لا يجدها المراقب عادة في المؤسسات الإعلامية الكبيرة. أمَا وقد وصلت الجزيرة إلى ما وصلت إليه، فإنها بحاجة إلى التخلص مما لازمها من عفوية الانطلاق، وإلى ضوابط المؤسسات وليس أمزجة الأفراد، ما يقطع الطريق على الإساءات.

مرت أزمة الإساءة إلى القرآن الكريم دون أن يحصل شيئاً. ما حصل هو أن مدير البرنامج الذي استضاف السفيهة ومنحها متسعاً غير عادي من الوقت عالج المشكلة في 45 ثانية اقتطعها في مستهل حلقة الأسبوع التالي، قال فيها للمشاهد مستعيناً بإصبعه: "مع أننا لا نضمن بأي حال من الأحوال ماذا سيقول الضيوف على الهواء مباشرة فإننا نسعى إلى دائماً إلى احترام مشاعر مشاهدينا الأكارم".

إجراءات ضبط البرامج وردع انتهاكات القواعد الأخلاقية التي طالب بها ملايين العرب والمسلمين تدخل في هيكلية التحرير في الجزيرة اليوم، ولكن ليس تلبية لأحاسيسهم الملتهبة، وإنما لأحاسيس إسرائيل.

إذا أرادت الجزيرة صورة وسيرة الكبار: بي بي سي، رويترز، سي إن إن، فإن لهذه المؤسسات مسالك مؤسساتية تضبط التسيب داخل أروقتها بنوعيه المهني والشخصي، والإعلام الغربي ليس كله ـ ولا جله ـ مصداقية الخبر وتطور تقنية البث، بل يتقدم ذلك كله علاقة المؤسسة الإعلامية بالجمهور. هذه المؤسسات تعتبر نفسها صاحبة سلعة، وتعتبر المشاهد هو الزبون، وتسري في هذه المعادلة القاعدة الأدبية الذهبية: "الزبون دائماً على حق"، وما لم يرضى الزبون فلا مستقبل للبائع بالاستمرار في سوق تعدد فيه الخيارات.

في هذه المؤسسات تدحرجت رؤوس كبار لأسباب أتفه بكثير من الإساءة للقرآن الكريم، وطردت الـ
BBC من صفوفها أحد كبار مقدمي برامجها ومخضرميها بسبب كلمة قالها لجريدة ـ وليس على شاشتها ـ وصف فيها العرب أنهم جزارين، علماً أنه برنامجه يبث في قناة أرضية لا يشاهدها أكثر من مليوني مسلم وليس 400 مليون. بهذا السلوك فرضت الـ BBC احترامها على المشاهد، وارتفعت في اعتباراته، وأثبتت أن القانون هو سيد الموقف في أروقتها وليس أية قوة أخرى.

إسرائيل ليست هي الدولة الأولى التي ترفع احتجاجاً ضد الجزيرة دون، وربما دلت لهجة الاعتذار القوية، والمراجعة الفورية، والتعهدات القاطعة، ومتابعة تنفيذ القرارات غير المعهودة في بيئة البيروقراطية العربية، ربما دلت على استحضار سلاح إسرائيل الفتاك "معاداة السامية"، الذي تنشره في وجه من تريد وقتما تريد وبشتى الذرائع والغايات، وجرجرة الجزيرة إلى مقاضات وتعويضات لا أول لها ولا آخر، أو إقفالها، أو ما هو أحسن من الإقفال: ابتزازها وترويضها.

الفارق بين حقوق إسرائيل وحقوق القرآن هو أن الأول له عصا غليظة تقتص بها لنفسه، والثاني تحت العصا.

لقد برهن مشروع الجزيرة حقيقتين هامتين: الأولى، فهو أن القدرات الإبداعية للإنسان العربي لا يحدها حدود إذا ما أعطيت الفرصة، وهو ما حققته الجزيرة في مرحلة ولادتها وفطامها. أما الأخرى فتتعلق بالزراعة؛ وهي أن اقتطاع فسيلة من شجرة باسقة مثمرة في البيئة المؤسساتية الغربية وإعادة غرسها في بيئة عربية أثبت عدم صلاحية التربة، وأن الفسيلة لا تجد في المنبت الجديد من العناصر الأولية والمعادن ما تحافظ به على صفاتها الوراثية ومناعتها الذاتية، فهاجمتها ديدان الطائفية والمناطقية والعرقية المحلية ونمت عليها، وأوجدت فيها مستعمرات لها، فتغيرت نكهتها وأصابت جليسها بسوء.

أسف وألف أسف أن يلتحق بالنظام السياسي العربي قادم جديد؛ يتصرف بنمطين، يخفض الجناح للأعداء وينفش الريش للأبناء، يتستر على المظالم ويصطف في طوابير معادية لهوية الأمة، ويفعل وراء الكواليس ما ينفيه أمام الجماهير.

هذه ليست الجزيرة التي استبشر العرب بها خيراً قبل عشرة أعوام، أو على الأقل هذا ما يصر عليه إعلاميوها ومنتسبوها.

alhafidh@hotmail.com